فخر الدين الرازي
198
تفسير الرازي
يقتضي أن فعل العبد لا يكون فعلا لله . والجواب أن قوله : * ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) * معناه نفي التفاوت في أنه يقع على وفق مشيئته بخلاف غيره ، فان فعل غيره لا يقع على وفق مشيئته على الاطلاق . قوله تعالى * ( وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الاَْمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الاَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) * . اعلم أنه تعالى حكى عن المنافقين في هذه الآية نوعا آخر من الأعمال الفاسدة ، وهو أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوه وأفشوه ، وكان ذلك سبب الضرر من وجوه : الأول : أن مثل هذه الارجافات لا تنفك عن الكذب الكثير . والثاني : أنه إن كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة ، فإذا لم توجد تلك الزيادات أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول عليه السلام ، لأن المنافقين كانوا يروون تلك الارجافات عن الرسول ، وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين ، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب ، فكانت تلك الارجافات سببا للفتنة من هذا الوجه . الوجه الثالث : وهو أن الارجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام ، وذلك سبب لظهور الأسرار ، وذلك مما لا يوافق مصلحة المدينة . الرابع : أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين وبين الكفار ، وكان كل واحد من الفريقين في إعداد آلات الحرب وفي انتهاز الفرصة فيه ، فكل ما كان آمناً لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني ، فان وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم أرجف المنافقون بذلك فوصل الخبر في أسرع مدة إلى الكفار ، فأخذوا في التحصن من المسلمين ، وفي الاحتراز عن استيلائهم عليهم ،